الأبعاد الفنية لمعايير الجودة في بيئة المراجعة التقليدية والرقمية: قراءة في عناصر ISQC 1 وربطها بالسياق المهني والقيمي
مقدمة
يقتضي الالتزام بجودة المراجعة توافر فهمٍ عميقٍ
للمتطلبات الفنية التي تحددها المعايير الدولية والإقليمية. وتعتمد جودة المراجعة
إلى حدٍّ كبير على متانة نظام ضبط الجودة الداخلي بالمكتب، ودقة إجراءات تقييم
المخاطر واختبارات الرقابة، ومدى استيعاب المراجعين للتكنولوجيا الحديثة وأثرها في
الأداء المهني، فضلًا عن فعالية إدارة فرق المراجعة والقدرة على إجراء المراجعة
المتزامنة. وقد أصبح المشهد المهني أكثر تعقيدًا مع ظهور أدوات التحليل الرقمي
والذكاء الاصطناعي التي غيّرت طريقة جمع الأدلة وتحليلها وإصدار التقارير. ومن ثم،
يعرض هذا المقال العناصر الفنية الرئيسة لنظم ضبط الجودة التقليدية، ويستعرض كيفية
إعادة صياغتها في البيئة الرقمية، ويبيّن نماذج مهنية تعكس الاستخدام العملي لهذه
الأدوات في شركات المراجعة الكبرى.
عناصر نظام ضبط الجودة الداخلي وفق معيار
ISQC 1
يتطلب الوصول إلى جودة مراجعة مرتفعة إقامة نظام
ضبط جودة داخلي قوي وشامل يغطي جميع عناصر الممارسة المهنية. وقد وضع المعيار الدولي
لضبط الجودة رقم (1) ISQC 1 إطارًا متكاملًا
لمكاتب المراجعة يضمن تنفيذ أعمال المراجعة وفقًا للمعايير المهنية والقانونية
والأخلاقية. وتبرز أهمية هذا النظام في مواجهة تحديات التحول الرقمي والذكاء
الاصطناعي، مع الحفاظ على القيم الإيمانية في عمل المراجع. لذلك، فإن تحليل عناصر ISQC 1 تحليلًا معمقًا
يُعد ضرورة لفهم متطلبات الجودة وتطويرها، ولا سيما من منظور إسلامي يعزز الأمانة
والعدل والصدق.
أولا ـ مسؤوليات القيادة عن جودة المراجعة
يتعين على قيادات المكتب إيضاح أهمية الجودة
وتعزيز ثقافة «القيام بالعمل الصحيح»، بما يشمل تخصيص الموارد والوقت الكافيين،
وضمان توافر الخبرة والاستشارات اللازمة، وتعزيز الالتزام بالاستقلالية. وينص
المعيار على ضرورة أن تتحمل قيادة المكتب المسؤولية الرئيسة عن نظام ضبط الجودة،
وذلك من خلال وضع سياسات تدعم ثقافة داخلية تعترف بأن الجودة قيمة أساسية. كما يجب
أن يكون الشركاء التنفيذيون قادرين على استدامة هذه الثقافة، بحيث يُقدَّم الأداء
المهني على المصالح التجارية. ويؤكد المعيار وجوب تضمين الجودة في سياسة الشركة وقيمها
وبرامجها التدريبية ونظام المكافآت.
ومن منظور إسلامي، يتوافق هذا التوجيه مع قيمة
الإتقان التي أكدها النبي ﷺ بقوله: «إنَّ
اللهَ يحبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملا أن يتقنه» (رواه البيهقي). كما يرتبط بمفهوم
«المسؤولية أمام الله والناس»، حيث يُعد القائد قدوة يقتدي بها العاملون، ويتعين
عليه أن يخلق «نبرة عليا» تعكس الصدق والأمانة والعدل. وتظهر أهمية هذا الجانب في
مواجهة التحديات الرقمية؛ إذ قد يغري التوسع التجاري بعض القيادات بالتركيز على
الربح على حساب الجودة، ومن ثم فإن الالتزام بالقيم الدينية والمهنية يمثل حاجزًا
أخلاقيًا أمام الانحرافات الرقمية.
ثانيا ـ متطلبات الأخلاقيات المهنية (خاصة
الاستقلالية)
يجب التأكد من امتثال جميع العاملين للمتطلبات
الأخلاقية، وفي مقدمتها الاستقلالية، والنزاهة، والموضوعية، والسرية، والسلوك
المهني الملائم. ويقوم المكتب بمراجعة الالتزام بهذه المتطلبات بانتظام، ويضع
سياسات للتعامل مع التهديدات. ويشدد المعيار على ضرورة إرساء سياسات تضمن الامتثال
للمتطلبات الأخلاقية، وعلى رأسها الاستقلالية والنزاهة والموضوعية والسرية
والكفاءة المهنية، وقد حدّد ميثاق الأخلاقيات الدولية للمحاسبين
(IESBA Code) هذه المبادئ
بوصفها قواعد أساسية للمهنة. كما ينص المعيار على ضرورة توثيق إجراءات الامتثال
ومراقبة الالتزام بها بصورة منتظمة.
وشرعيًا، تتجذر هذه المبادئ في آيات وأحاديث
كثيرة؛ فالقرآن يأمر بالأمانة والعدل، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} (النساء: 58). كما
ورد في الحديث الشريف: «مَن غَشَّنا فليس منا» (رواه مسلم)، وهو ما يحرّم الغش
والخداع. وبذلك تُعد الاستقلالية والأمانة والصدق ركائز أساسية في عمل المراجع،
ويتعين عليه تنمية «مراقبة الذات» (التقوى) لضمان عدم التهاون في الالتزام
الأخلاقي.
ثالثا ـ قبول واستمرار العلاقة مع العملاء
يتعين تقييم المخاطر المرتبطة بقبول عميل جديد أو
الاستمرار مع عميل قائم، بما في ذلك النزاهة والسمعة والالتزام بالقوانين. ويحدد
المعيار إجراءات موثقة لرفض أو قبول العملاء وإجراء المراجعات الملائمة عندما
تتغير الظروف. ويُلزم ISQC 1 المكاتب بإرساء سياسات تضمن عدم قبول أو استمرار
علاقة مع عميل إلا إذا كانت قادرة على أداء المهمة، ولديها الموارد والوقت
الكافيان، ويمكنها الالتزام بمتطلبات الأخلاق، وبعد أن تكون قد تحققت من نزاهة
العميل. وتشمل الخطوات العملية فحص الكفاءة والموارد، وتقييم مخاطر التضارب،
والاطلاع على سمعة العميل وممارساته، كما يجب توافر نماذج تقييم قياسية وقوائم
للتأكد من عدم وجود تضارب في المصالح، وخطة للموارد والمهلة الزمنية.
وبجانب ذلك، يحث المعيار على التحقق من نزاهة العميل
من خلال جمع المعلومات من مصادر متنوعة، مثل الجهات السابقة التي تعاملت معه،
والبحث في قواعد البيانات، والاستفسار من جهات ثالثة. وإذا ظهر للمدقق عجز عن
الالتزام بمتطلبات الأخلاق أو وجود شبهات خطيرة، وجب اتخاذ قرار بالانسحاب مع
توثيق الأسباب وإبلاغ الجهات المعنية.
ومن منظور إسلامي، يعكس هذا الجانب قيمة التحرّي
والتثبت المستمدة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، وقاعدة «اليقين لا يزول بالشك».
كما أن الاعتبار الأساسي هو العدالة؛ فلا يجوز للمراجع الدخول في معاملات تشوبها
شبهات أو معاملات ربوية، وينبغي عليه الاعتذار عن الارتباط بعميل يُعلم أنه يمارس
نشاطًا محرمًا، كما تدعو إليه معايير AAOIFI في فقه المعاملات المالية.
رابعا ـ الموارد البشرية (الإدارة والتطوير)
يشدد المعيار على أهمية اختيار العاملين المؤهلين
وتدريبهم وتطويرهم والحفاظ عليهم. ويجب أن تكون هناك سياسات لضمان توزيع المهام
على أعضاء الفريق وفقًا لخبراتهم وقدراتهم، وتقديم التعليم المستمر والأدوات
اللازمة لأداء أعمالهم بكفاءة. ويؤكد المعيار أن إدارة الموارد البشرية عامل محوري
لنجاح نظام الجودة؛ إذ تتطلب توفير موظفين مؤهلين، وتحديد أدوار ومسؤوليات واضحة،
وتقديم تدريب مستمر، وتقييم الأداء بانتظام. كما يوصي بتعزيز ثقافة السلوك
الأخلاقي، وتحفيز التواصل والتعاون بين العاملين، ومعالجة تضارب المصالح لضمان
استقلالية القرارات.
وفي عصر التحول الرقمي، لم تعد المهارات
التقليدية كافية؛ بل يجب على المراجع إتقان التقنيات الرقمية مثل تحليل البيانات
الضخمة، والتعلم الآلي، والبلوك تشين. كما توضح دراسات حديثة أن adequacy of
digital audit talent يقلل بشكل كبير من مخاطر عدم اكتشاف الأخطاء
ويعزز المراجعة الرقمية. ولذلك ينبغي تطوير منهجيات تدريب متخصصة تجمع بين المعارف
المحاسبية ومهارات التقنية والقدرات التحليلية، مع مراعاة المبادئ الإسلامية التي
تشجع على طلب العلم وتطوير الذات، كما في قول النبي ﷺ: «طَلَبُ العلم
فريضة على كل مسلم ومسلمة» (رواه ابن ماجه).
خامسا ـ أداء الارتباط
(Engagement Performance)
يشمل هذا العنصر وضع السياسات والإجراءات لضمان
التخطيط الفعّال للمراجعة، وتطبيق المنهجيات المناسبة، والحصول على أدلة كافية
وملائمة، وإجراء عمليات المراجعة الداخلية المستقلة عند الحاجة. ويتضمن أيضًا
مراجعة العمل من قبل أفراد مستقلين قبل إصدار التقرير لضمان التزامه بالمعايير.
كما يتضمن هذا العنصر وضع سياسات تضمن جودة التنفيذ في كل مهمة تدقيقية، بدءًا من
التخطيط وحتى إصدار التقرير. وتشمل الإجراءات الموصى بها في المعيار:
• تحديد أهداف
العمل وتوقعاته، وتعيين الموظفين ذوي الخبرة المناسبة.
• تنفيذ عملية
تخطيط قوية لتحديد المخاطر ووضع استجابة مناسبة.
• مراقبة تقدم
العمل بانتظام، وتوثيق النتائج المهمة، وإجراء مراجعة شاملة للتأكد من الالتزام
بإجراءات الجودة.
• التواصل مع
العميل لعرض النتائج ومعالجة الملاحظات.
سادسا ـ المراقبة
(Monitoring)
يتطلب المعيار وجود نظام مستمر لمراقبة عمل
المراجعين وجودة عملياتهم، بما في ذلك عمليات المراجعة الدورية، وتحليل الشكاوى
والملاحظات، واتخاذ إجراءات تصحيحية عند اكتشاف قصور. ويُعد نظام المراقبة أداة
للتطوير المستمر وضمان التحسين المستدام. وتُعد المراقبة المستمرة محورًا أساسًا
للتحقق من فعالية نظام الجودة؛ إذ ينص المعيار على إنشاء عملية مراجعة وتقييم
منتظمة لمدى الالتزام بالإجراءات، وتعيين مسؤولين عن عمليات المراقبة، وتطوير
قوائم متابعة لتقييم فعالية إجراءات الجودة، وتوثيق النتائج واتخاذ إجراءات تصحيحية.
كما يدعو إلى مراجعة ملفات الارتباط والوثائق للتأكد من مطابقتها للمعايير، واتخاذ
إجراءات فورية لتحسين أية جوانب متعثرة.
ويعد هذا الأمر متسقًا مع الأطر الشرعية التي تحث
على المحاسبة الذاتية؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبوا أنفسكم قبل
أن تُحاسَبوا»، في إشارة إلى أهمية الرقابة الذاتية واستباق التقصير. وعلى الرغم
من وضوح عناصر ISQC 1،
إلا أن هناك فجوات في التطبيق، خاصة بين المكاتب الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى
الموارد الكافية. وتشير بعض التقارير إلى أن قصور القيادة في متابعة الجودة، وعدم
توثيق السياسات، وعدم إجراء تقييمات نزاهة للعملاء، وغياب التدريب المستمر على
الأدوات الرقمية، تُعد من أكثر أوجه الضعف شيوعًا. كما أن الابتكار الرقمي يضيف
تحديات جديدة؛ إذ قد يزيد الاعتماد على التكنولوجيا من مخاطر الخوارزميات إذا لم
تُراقب جيدًا، كما يستلزم مهارات جديدة. وتُعد الفجوة بين الممارسات الدولية
والقيم الإسلامية مجالًا خصبًا للبحث؛ إذ تبرز الحاجة إلى مزيد من الأدلة العملية
حول كيفية دمج القيم الإيمانية في سياسات الجودة، وكيف تؤثر التقوى والنية الصادقة
على جودة المراجعة الرقمية. كما تبرز الحاجة إلى دراسات ميدانية في الدول
الإسلامية لقياس أثر الالتزام بالمعايير الشرعية والمهنية على ثقة أصحاب المصلحة.
أمثلة مهنية
في أحد المكاتب المهنية الخليجية، تم إنشاء لجنة
جودة مستقلة تقوم بمراجعة ملفات المراجعة وتقييم أداء الشركاء، مع تعزيز ثقافة
الجودة وإتاحة التدريب الرقمي، وقد أدى ذلك إلى انخفاض نسبة الأخطاء بصورة ملموسة
وارتفاع رضا العملاء. وفي تجربة عربية أخرى، أدى التركيز على تقييم نزاهة العملاء
وعدم قبول الأعمال المحفوفة بالمخاطر إلى تحسين سمعة المكتب وتقليل تعرضه
للمخالفات القانونية. أما في بيئة رقمية، فقد اعتمد أحد المكاتب على نظام تحليل
بيانات آلي لاكتشاف الانحرافات في معاملات العملاء، غير أن نتائج النظام كانت
تعاني من بعض الانحياز، ما دفعهم إلى إدخال مراجعة بشرية إضافية، وهو ما يؤكد
أهمية توازن التكنولوجيا والعامل البشري.
خاتمة (خلاصة الرأي)
يُبرز التحليل المتعمق لعناصر ISQC 1 أن جودة
المراجعة تعتمد على قيادة واعية تضع الجودة فوق الاعتبارات التجارية، ونظام أخلاقي
صارم يضمن الاستقلال والموضوعية، وإجراءات صارمة لقبول العملاء تقوم على النزاهة
والكفاءة، وإدارة موارد بشرية تتسم بالخبرة والتطوير المستمر، وأداء فعّال يقوم
على التخطيط والمراقبة، ومراقبة مستمرة تضمن التحسين المستدام. وعند ربط هذه
العناصر بالقيم الإسلامية، مثل الصدق والأمانة والعدل والإحسان والرقابة الذاتية،
يتضح أن الدين الإسلامي يمنح بعدًا روحيًا وأخلاقيًا يعزّز هذه الأطر المهنية.
فالقيم الشرعية ليست مجرد مبادئ أخلاقية، بل تمثل أدوات عملية لمنع التضليل
والاحتيال وضمان الثقة في البيئة الرقمية. وبالتالي فإن دمج ISQC 1 مع قيمنا
الإيمانية والاهتمام بالتحول الرقمي سيؤدي إلى نظام مراجعة أكثر قوة وشفافية،
ويسهم في حماية حقوق أصحاب المصلحة وتعزيز الثقة في التقارير المالية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق