1. المقدمة
يواجه قطاع المراجعة والمحاسبة الإسلامي تحدياً
مزدوجاً: كيف يحافظ على الانضباط والالتزام بأخلاق وقيم الشريعة الإسلامية وفي الوقت
نفسه يتوافق مع المعايير المهنية الدولية ويدمج التقنيات الرقمية الناشئة. يتناول هذا
المقال هذا التحدي من خلال تحليل تكاملي بين المرجعية القيمية الإسلامية والأطر المهنية
العالمية، ويوضح كيف يمكن ترجمة هذه القيم والمعايير إلى سياسات وأدوات إجرائية تعزز
جودة المراجعة وتعيد الثقة إلى تقارير التأكيد. تنطلق فرضية المقال من أن الالتقاء
بين «القيمة الإيمانية» و«المعيار المهني» داخل بنية مؤسسية متماسكة يؤدي إلى أثر مباشر
في جودة الأداء المهني وينقل الرقابة من رد الفعل إلى الوقاية الاستباقية في ظل التحول
الرقمي. لتحقيق هذا الهدف، يتم تفكيك الموضوع إلى محورين: الحوكمة الشرعية والتنظيم
الداخلي للمؤسسات، ثم ربطها بآليات التحول الرقمي.
2. الإطار النظري
والمفاهيمي
2.1
الحوكمة الشرعية والتنظيم الداخلي للمؤسسات المالية
تُعرّف الحوكمة الشرعية بأنها منظومة علاقات
وقواعد وممارسات تهدف إلى مواءمة أنشطة المؤسسات المالية الإسلامية مع مقاصد الشريعة
ضمن إطار مؤسسي يتكامل فيه الضبط الداخلي مع الرقابة الخارجية. وترتكز على ثلاث دعائم:
مرجعية قيمية تعزّز الصدق والأمانة والعدل والرقابة الذاتية، وأطر مهنية دولية تنظّم
جودة الدليل والموضوعية والسرية، وهياكل حوكمة تحدد الأدوار والمسؤوليات وفق خطوط الدفاع
الثلاثة. تُظهر إرشادات مجلس الخدمات المالية الإسلامية أهمية استقلالية أعضاء مجالس الرقابة الشرعية
وتوفير الموارد الكافية لهم؛ إذ تشدد هذه الإرشادات على أن أي سلطة مركزية أو مجلس
رقابة شرعية يجب أن يحظى بالاستقلال والموارد الكافية وأن يُعين أعضاء يتمتعون بالكفاءة
ويتجنبون تضارب المصالح. كما تفرض على مجالس الإدارة التأكد من أن وحدات الحوكمة الشرعية
داخل المؤسسات لديها السلطة والموارد اللازمة لأداء مهامها وأن يكون أعضاؤها مؤهلين
ومتمتعين بالاستقلالية.
2.1.1
التأصيل المفاهيمي للحوكمة الشرعية
تركز الحوكمة الشرعية على ربط المبادئ الإيمانية
بالإجراءات التنفيذية للمؤسسة. يحدد التوجيه الشرعي ثلاث مكونات أساسية: (1) مجلس الرقابة
الشرعية الذي يضم فقهاء وخبراء ماليين يتولون إصدار الفتاوى ومراجعة المنتجات، (2)
وحدة التدقيق الشرعي الداخلي التي تعمل كخط دفاع مستقل يفحص العمليات ويختبر الالتزام
الشرعي ويرفع تقارير مباشرة إلى المجلس الشرعي، و(3) وظيفة الامتثال الشرعي التي تضمن
تطبيق الفتاوى والقرارات الشرعية على مستوى جميع المعاملات. تؤكد إرشادات
IFSB على ضرورة أن تملك هذه الهيئات السلطة الكاملة للوصول إلى
المعلومات وأداء مهامها دون تدخل، وأن يتم إنشاء تدقيق شرعي داخلي مستقل منفصل عن خطوط
الأعمال الأخرى ويتمتع بالمهارات والموارد اللازمة.
2.1.2
الأطر التنظيمية وأهميتها
تم تطوير الأطر التنظيمية للحفاظ على الامتثال
الشرعي والمهني وتحقيق الشفافية. يعد مجلس الرقابة الشرعية أعلى سلطة شرعية داخل المؤسسة؛
إذ يصدر الفتاوى ويوافق على المنتجات ويصادق على التقارير الشرعية. وتشترط معايير
IFSB وAAOIFI أن يكون أعضاء
المجلس مستقلين عن الإدارة التنفيذية ولا يمتلكون حصصاً تؤدي إلى تضارب مصالح. كما
تنص معايير حوكمة AAOIFI (GSIFI No.5) على أن الاستقلال
موقف ذهني يتطلب عدم الخضوع للمصالح المتعارضة، ويتحقق من خلال الوضع التنظيمي والموضوعية،
ما يعزز ثقة الجمهور في التزام المؤسسة بالشريعة. إضافة إلى ذلك، توجب الإرشادات وجود
وحدة تدقيق شرعي داخلي مستقلة وتشكيل سياسات واضحة للإفصاح عن الامتثال الشرعي والإفصاح
عن التقرير الشرعي في القوائم المالية.
2.1.3
أهمية الاستقلال والكفاءة
يعتمد نجاح الحوكمة الشرعية على استقلالية وكفاءة
أعضاء مجالس الرقابة الشرعية ووحدات التدقيق. تشترط إرشادات
IFSB توفير الموارد والسلطات الكافية للمجالس الشرعية وتقوية
آليات تعيين المراجع الشرعي الخارجي والتأكد من عدم تأثيره من مصالح الإدارة. كما يوصى
بأن يكون أعضاء المجلس غير مرتبطين بالإدارة ولا يملكون حصصاً في المؤسسة، وأن يخضعوا
لبرامج تطوير مهني مستمر لتعزيز معرفتهم بفقه المعاملات والمعايير الدولية والتقنيات
الحديثة. الكفاءة تشمل فهم دقيق للفقه المالي الإسلامي، المعايير المحاسبية الدولية،
والقدرات التحليلية، إضافة إلى تطوير مهارات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتواكب
التحول الرقمي.
2.1.4
الحوكمة الشرعية وأداء المؤسسات
تشير الدراسات إلى أن وجود نظام حوكمة شرعية
قوي يرتبط بتحسن الأداء المالي وارتفاع ثقة المستثمرين وتقليل المخاطر التشغيلية والشرعية.
عندما يكون مجلس الرقابة الشرعية مستقلًا وكفؤًا وتستوفي المؤسسة المعايير المهنية
الدولية، يزداد يقين المستثمرين بأن العمليات تمت وفقاً لأحكام الشريعة ومعايير الجودة،
ما يؤدي إلى جذب مزيد من التمويل وتخفيض تكلفة رأس المال.
2.1.5
التحديات الراهنة في الحوكمة الشرعية
على الرغم من تقدم الأطر التنظيمية، تواجه المؤسسات
المالية الإسلامية عدة تحديات:
تباين اللوائح بين الدول: تختلف التشريعات الخاصة
بالحوكمة الشرعية باختلاف الدول؛ إذ تلزم بعض الأنظمة المؤسسات بتكوين مجالس رقابة
شرعية بينما تترك أخرى الخيار للمؤسسة، ما يؤدي إلى صعوبات في توحيد الممارسات عبر
الحدود.
نقص الخبرات البشرية: لا يزال عدد المختصين
الذين يجمعون بين التأهيل الفقهي والخبرة المالية محدودًا، ويؤثر ضعف البرامج التعليمية
وقلة الاستثمار في التدريب على جودة وسرعة عمل التدقيق الشرعي.
التحديات التقنية: ظهور منتجات مالية معقدة
وتقنيات جديدة يفرض ضغوطاً كبيرة على الهيئات الشرعية للحاق بالتطورات وإصدار فتاوى
ملائمة في الوقت المناسب.
فجوة التوقع/الأداء: توجد فجوة بين توقعات المجتمع
من مجالس الرقابة الشرعية وأدائها الفعلي، ويمكن تضييق هذه الفجوة عبر تقييمات أداء
دورية وتقارير شفافة من هيئات رقابية مستقلة.
2.2
الإطار المهني الدولي وبيئة المراجعة
تنظم مهنة المراجعة الدولية مجموعات من المبادئ
والمعايير أبرزها مدونة الأخلاق الدولية للمحاسبين
(IESBA) ومعايير المحاسبة الدولية ومعايير التدقيق الدولية
(ISA) يركز هذا الجزء على مفاهيم الاستقلال، التهديدات الأخلاقية،
والتطوير المهني.
2.2.1
مفهوم الاستقلال في مدونة الأخلاق الدولية
تعرف مدونة الأخلاق الدولية للاستقلال بأنه
موقف ذهني يتطلب عدم الخضوع للمصالح المتعارضة ويُعزز بالموضوعية والتنظيم المؤسسي.
تصنف المدونة التهديدات للاستقلال إلى خمسة أنواع: تهديد المصلحة الشخصية (عندما يكون
هناك منفعة مالية أو علاقة تربط المراجع بالعميل)، وتهديد المراجعة الذاتية (عندما
يراجع المراجع عمله السابق)، وتهديد المناصرة/الدعوة (عندما يدافع المراجع عن مصالح
العميل)، وتهديد الأُلفة (نتيجة علاقات وثيقة أو طويلة مع العميل)، وتهديد الترهيب
(الخوف من ضغوط أو عقوبات. تتطلب المدونة تقييم هذه التهديدات ووضع وسائل حماية لإزالتها
أو خفضها إلى مستوى مقبول، وإذا تعذر ذلك فيجب رفض المهمة.
2.2.2
التطوير المهني المستمر
يحافظ المحاسب أو المراجع على كفاءته المهنية
من خلال التنمية المهنية المستمرة. تُلزم مدونة الأخلاق الدولية المحاسبين بالمحافظة
على مستوى عالٍ من المعرفة المهنية والمهارات التقنية وأن يكونوا على اطلاع دائم على
التطورات المتعلقة بالتكنولوجيا والمعايير. ويركز معيار التعليم الدولي
IES 7 على أن التطوير المهني المستمر يشمل مجموعة واسعة من الأنشطة
التعليمية والتدريبية والخبرة العملية والتوجيه والتعلم الذاتي، وأن هذه الأنشطة ضرورية
طوال الحياة المهنية لمواجهة التغيرات في العمليات والتكنولوجيا والقوانين. بناءً على
ذلك، يتعين على مكاتب المراجعة إنشاء برامج تدريبية موسّعة تشمل فقه المعاملات، معايير
ISA،
IFRS، ومعايير
AAOIFI،
بالإضافة إلى مهارات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
3. التنظيم الداخلي
لمكاتب المراجعة: السياسات والهياكل
3.1
إعداد السياسات الداخلية
تشكل السياسات الداخلية المرجعية العليا لتوجيه
الممارسات المهنية وتحويل القيم إلى إجراءات قابلة للقياس. يميز بين السياسة التي تحدد
الاتجاه العام، والإجراء الذي يمثل خطوات تنفيذية، والضبط الذي يشمل الآليات الوقائية
والتصحيحية. تبدأ سلسلة الحوكمة بـ«نبرة القيادة العليا» وتتصل بآليات قبول واستمرار
العملاء، وإدارة الجودة، وإعداد ملف المراجعة. وتستند هذه المنظومة إلى قيم إسلامية
مثل الصدق والأمانة والعدل، وإلى مبادئ مهنية دولية مثل استقلالية المراجع، الموضوعية،
والشك المهني.
3.1.1
قواعد السلوك
يترجم ميثاق السلوك القيم الإسلامية إلى التزامات
عملية تتكامل مع مبادئ IESBA الخمسة. يجب
أن تتضمن السياسات تعليمات واضحة بشأن الإفصاح عن المصالح الشخصية والهدايا والروابط
العائلية، وآليات مساءلة تصاعدية تصل إلى لجنة الأخلاقيات مع تدرج العقوبات وتوثيق
الدروس المستفادة. ينبغي إدراج إرشادات لحالات تطبيقية مثل تضارب المصالح أو ضغوط العميل
أو ضيق المهلة لتعزيز الحكم المهني السليم. تُعد القاعدة الفقهية «اليقين لا يزول بالشك»
أساساً للتمسك بالتحقق قبل إصدار الحكم المهني.
3.1.2
التدريب المستمر
يهدف برنامج التطوير المهني إلى سد فجوات الكفاءة
والحفاظ على الحد الأدنى المقبول من المعرفة المهنية والشرعية والرقمية. يتضمن البرنامج
مصفوفة كفاءات تحدد المعارف والمهارات والسلوكيات المطلوبة لكل رتبة وظيفية. ويوصي
بأن تغطي البرامج محتوى فقهي متخصص في معاملات التمويل الإسلامي، محتوى معياري يشمل
ISA وIFRS وAAOIFI،
ومحتوى رقمي يتضمن التحليل الإحصائي للبيانات، الأدلة الرقمية، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي،
بالإضافة إلى تقييمات قبلية وبعدية لقياس التأثير.
3.1.3
الإبلاغ عن المخالفات
يتيح الإبلاغ عن المخالفات تحويل الرقابة من
ردّ الفعل إلى الوقاية المبكرة. ينبغي إنشاء قنوات آمنة (بوابة إلكترونية، خط هاتفي،
بريد مؤمَّن) تسمح بالإبلاغ المجهول مع حماية المبلغين من أي انتقام. يجب وضع سياسة
تحقيق موضوعية تحدد نطاق البلاغ وإجراءات جمع الأدلة ومقابلات الأطراف وإصدار تقرير
مسبب، مع مسارات تصعيد إلى الإدارة العليا أو مجلس الرقابة الشرعية في الحالات الجسيمة،
وخطة معالجة ومتابعة للإصلاح.
3.2
إدارة تضارب المصالح والسيطرة على الاستقلال
يعرف تضارب المصالح بأنه أي وضع قد يتأثر فيه
الحكم المهني بمصلحة شخصية أو ضغط خارجي. وفق مدونة
IESBA،
تنقسم التهديدات إلى تهديد المصلحة الشخصية، المراجعة الذاتية، المناصرة، الألفة، والترهيب.
للتعامل مع هذه التهديدات، يجب وضع سياسات مؤسسية مثل فصل الأدوار، تدوير فريق العمل،
مراجعات مستقلة، قيود على الهدايا والضيافة، سجل للمصالح الشخصية، وإقرار استقلالية
سنوي يفصح فيه الأفراد عن العلاقات المالية والعائلية. كما ينبغي على مكاتب المراجعة
الإسلامية الامتناع عن المشاركة في إدارة أو استثمار العملاء التزاماً بمعايير
AAOIFI التي تمنع أعضاء مجلس الرقابة الشرعية من امتلاك حصص أو
اتخاذ قرارات إدارية في المؤسسة.
3.3
استخدام التكنولوجيا لتعزيز التنظيم الداخلي
تلعب التكنولوجيا دوراً محورياً في تعزيز الضبط
والشفافية. يمكن استخدام أدوات التحليل الآلي للبيانات
(Automated Tools & Techniques) في إجراءات المراجعة بوصفها أدوات لتقييم المخاطر
ولإجراء اختبارات لاحقة، كما نصت مواد الدعم الصادرة عن مجلس معايير التدقيق الدولية.
ومع التحول الرقمي، تتجه المؤسسات إلى دمج إجراءات الامتثال داخل الأنظمة المعلوماتية
عبر أنظمة «الامتثال بالتضمين»، ما يقلل الاعتماد على التدخل البشري ويسمح برصد المخالفات
وإصدار الإنذارات بشكل آلي.
3.4
تقييم الأداء وترسيخ ثقافة الرقابة الذاتية
يتطلب ترسيخ ثقافة الرقابة الذاتية تطوير بطاقة
قياس متوازنة تجمع بين مؤشرات فنية (مثل جودة الأدلة والالتزام بالجداول الزمنية)،
وأخلاقية (النزاهة والإفصاح عن الأخطاء)، ومعرفية (التطوير المستمر)، وزبائنية (رضا
العملاء). ينبغي أن تكون التقييمات الأخلاقية جزءاً من التقييم المهني، وأن تتضمن مؤشرات
مثل الإفصاحات الطوعية ومقاومة الضغوط غير المهنية واحترام السرية. كما يجب ربط الحوافز
المادية والمعنوية بالرسالة القيمية للمكتب، وتقدير الإنجازات المرتبطة بالجودة، ودعم
شهادات المراجعة الإسلامية والبحوث العلمية، ونشر قصص النجاح لتعزيز القدوة الحسنة.
4. ربط الحوكمة
الشرعية والتنظيم الداخلي بالتحول الرقمي
4.1
التحول الرقمي والرقابة الشرعية: تعريف عملي وبنية تنفيذية
يمثل التحول الرقمي نقلة نوعية في إدارة الرقابة
والامتثال؛ فهو يمكّن من دمج متطلبات الامتثال الشرعي داخل منطق الأنظمة منذ لحظة التعاقد
حتى التسوية، ما يسمى «الامتثال بالتضمين» أو
«compliance by design». يعرّف تقرير معهد المعايير والتكنولوجيا الأمريكي
(NIST) البلوكتشين بأنه سجل رقمي لا يمكن تعديل المعاملات المنشورة
فيه، إذ تُخزن البيانات في سلسلة من الكتل كل منها مرتبطة تشفيرياً بما قبلها، ما يجعل
السجل قابلًا للتتبع ومقاومًا للتلاعب. تشير NIST أيضاً إلى أن
شبكات البلوكتشين المرخصة تسمح بتوافر الشفافية وتمكّن عمليات التدقيق بشكل مستمر بدلاً
من أن تكون دورية. يعزز ذلك إمكان الاعتماد على الأدلة الرقمية في المراجعة، حيث يصبح
السجل الرقمي «دفتر أستاذ» يمكن الرجوع إليه في أي لحظة لإعادة بناء سلسلة الأحداث.
4.1.1
خصائص السجلات الموزعة وأثرها على اليقين الشرعي
تؤكد الأدبيات التقنية أن السجلات الموزعة توفر
خصائص تخدم غايات الشريعة والحوكمة، أبرزها عدم قابلية الكتل للتعديل بعد الإجماع،
والطابع اللامركزي الذي يوزع الثقة، وإمكانية التتبع الزمني للمعاملات. كما توفر تقنية
البلوكتشين مسار تدقيق رقمي دائم يزيد من موثوقية الأدلة ويمكن أن يقلل من فجوة التوقع
في التقارير الشرعية والمالية. توضح إحدى الدراسات أن البلوكتشين يخزن البيانات كسجل
تدقيق آمن، وأن العقود الذكية—البرامج التي تنفذ تلقائياً عند تحقق شروط معينة—يمكنها
تحسين سلامة البيانات وكفاءة العمليات والامتثال التنظيمي. هذه الخصائص تتسق مع حاجة
الحوكمة الشرعية للأدلة الموثوقة والشفافية.
4.1.2
العقود الذكية المفسرة وتكويد الشروط الشرعية
يمكن توظيف العقود الذكية لبرمجة الشروط الشرعية
في منطق التنفيذ؛ فيتم على سبيل المثال التحقق من انتقال الملكية، وحيازة السلعة، ووضوح
العوض، ومنع الربا والغرر قبل تنفيذ أي معاملة. تعزز العقود الذكية المفسرة
inter¬pretive smart contracts إمكانية دمج قواعد شرعية قابلة للبرمجة وربطها
بأوراكل (oracle) خارجي للتحقق
من الوقائع الواقعية، مع إنشاء سجل أثر تدقيق غير قابل للتلاعب. يشير تقرير
Alphaledger إلى أن «الامتثال بالتضمين» يعتمد على تضمين
المنطق التنظيمي وقابلية التدقيق في العقود الذكية، ما يضمن أن كل معاملة تلتزم بالقواعد
المسبقة وتوفر سجلات تدقيق غير قابلة للتغيير كما يبرز التقرير أهمية الإفصاح اللحظي
على السلسلة (on‑chain) لبناء الثقة
بين جميع الأطراف.
4.1.3
مواءمة البنية الرقمية مع أطر الحوكمة الشرعية
لتفعيل التحول الرقمي ضمن إطار الحوكمة الشرعية،
يجب مواءمة البنية الرقمية مع المتطلبات التنظيمية. تنص إرشادات
IFSB على أن وحدات الحوكمة الشرعية يجب أن تكون مستقلة وتملك
صلاحية الوصول إلى المعلومات وإصدار التقارير ويمكن لهذا المبدأ أن يُترجم رقمياً عبر
تصميم أنظمة تسمح للمراجع الشرعي بالوصول المباشر إلى سجلات البلوكتشين ومراقبة تنفيذ
الشروط الشرعية عبر العقود الذكية. كما يجب تحديد أدوار ومسؤوليات واضحة بين المجلس
الشرعي، وحدة التدقيق الشرعي، ووظائف الامتثال عند استخدام تقنيات جديدة، وذلك لحفظ
الخطوط الدفاعية الثلاثة ومنع تضارب المصالح.
4.1.4
هندسة الطبقات للتحكم الشرعي الرقمي
يمكن تصور معمارية قياسية للتحكم الشرعي في
بيئات السجلات الموزعة وفق ثلاث طبقات مترابطة:
طبقة القواعد الشرعية
(Rule Layer): صياغة رسمية لقواعد الفقه المنطبقة على كل منتج
(مرابحة، إجارة، سلم، مشاركة) مع قاموس قابل للبرمجة ودوال تحقق صريحة.
طبقة الأوراكل والتحقق الخارجي: وحدات تحقق
من الوقائع خارج السلسلة تربط الأدلة المادية أو القانونية بالعقد الذكي (إثبات القبض،
انتقال المنفعة) وتعطي إشارة إلى العقد الذكي لتنفيذ الشروط.
طبقة أثر التدقيق
(Audit Trail): سجل أحداث غير قابل للتلاعب يلتقط كل تغيير
في حالة العقد، مع توقيتات دقيقة وهوية الأطراف المعنية؛ ما يوفر أدلة رقمية «مقروءة
للمراجعة» يمكن الاعتماد عليها في التقارير الشرعية والمالية.
يشترط في هذه الطبقات الالتزام بمعايير الخصوصية
والأمن السيبراني، والتأكد من أن الخوارزميات لا تحتوي على انحياز يخل بمبادئ العدالة
الشرعية. لا تلغي التقنيات الجديدة الحاجة إلى إشراف بشري؛ إذ يجب على المراجع الشرعي
تقييم نواتج الأنظمة والتدخل عند الضرورة، وذلك امتثالاً لمبدأ الشك المهني.
4.2
دمج صورة إيضاحية
لإغناء التصور البصري حول ارتباط الشبكات الرقمية
بالقيم الإسلامية، تتضمن الدراسة الصورة التالية التي تم إنشاؤها خصيصاً لهذا البحث.
تجمع الصورة بين أنماط زخرفية إسلامية وشبكات رقمية تشير إلى اللامركزية والاتصال،
وتعكس فكرة دمج التكنولوجيا مع التراث القيمي. إن هذا التكامل البصري يعكس موضوع البحث
ويؤكد أن التحول الرقمي يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع الهوية الإسلامية.
5. الخلاصة
أظهر البحث أن التكامل المؤسسي بين القيم الإسلامية
والمعايير المهنية الدولية هو محور أساسي لرفع جودة المراجعة وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة
في المؤسسات المالية الإسلامية. تتمثل الركائز في حوكمة شرعية قوية تعتمد على استقلالية
أعضاء مجالس الرقابة الشرعية وتزويدهم بالموارد والمهارات، وتبني الأطر المهنية الدولية
التي تميز أنواع التهديدات للاستقلال وتفرض برامج تطوير مهني مستمر لضمان الكفاءة.
كما يلعب التنظيم الداخلي دوراً حاسماً في ترجمة القيم والمعايير إلى سياسات وإجراءات
واضحة تشمل ميثاق السلوك، إدارة تضارب المصالح، التدريب المستمر، وأدوات الإبلاغ عن
المخالفات. أخيراً، بيّن البحث كيف يمكن للتقنيات الرقمية—لاسيما البلوكتشين والعقود
الذكية أن تعزز الامتثال والشفافية من خلال «الامتثال بالتضمين» وتوفير سجلات تدقيق
غير قابلة للتلاعب، شرط مواءمة هذه التقنيات مع متطلبات الحوكمة الشرعية وعدم إهمال
الدور الإنساني للمراجع الشرعي. يمثل هذا التكامل فرصة استراتيجية للمؤسسات المالية
الإسلامية للبقاء في صدارة التطور الرقمي مع الحفاظ على هويتها القيمية.