الجمعة، 9 يناير 2026

 الأبعاد الفنية لمعايير الجودة في بيئة المراجعة التقليدية والرقمية: قراءة في عناصر ISQC 1 وربطها بالسياق المهني والقيمي


مقدمة

يقتضي الالتزام بجودة المراجعة توافر فهمٍ عميقٍ للمتطلبات الفنية التي تحددها المعايير الدولية والإقليمية. وتعتمد جودة المراجعة إلى حدٍّ كبير على متانة نظام ضبط الجودة الداخلي بالمكتب، ودقة إجراءات تقييم المخاطر واختبارات الرقابة، ومدى استيعاب المراجعين للتكنولوجيا الحديثة وأثرها في الأداء المهني، فضلًا عن فعالية إدارة فرق المراجعة والقدرة على إجراء المراجعة المتزامنة. وقد أصبح المشهد المهني أكثر تعقيدًا مع ظهور أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي التي غيّرت طريقة جمع الأدلة وتحليلها وإصدار التقارير. ومن ثم، يعرض هذا المقال العناصر الفنية الرئيسة لنظم ضبط الجودة التقليدية، ويستعرض كيفية إعادة صياغتها في البيئة الرقمية، ويبيّن نماذج مهنية تعكس الاستخدام العملي لهذه الأدوات في شركات المراجعة الكبرى.

عناصر نظام ضبط الجودة الداخلي وفق معيار ISQC 1

يتطلب الوصول إلى جودة مراجعة مرتفعة إقامة نظام ضبط جودة داخلي قوي وشامل يغطي جميع عناصر الممارسة المهنية. وقد وضع المعيار الدولي لضبط الجودة رقم (1) ISQC 1 إطارًا متكاملًا لمكاتب المراجعة يضمن تنفيذ أعمال المراجعة وفقًا للمعايير المهنية والقانونية والأخلاقية. وتبرز أهمية هذا النظام في مواجهة تحديات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على القيم الإيمانية في عمل المراجع. لذلك، فإن تحليل عناصر ISQC 1 تحليلًا معمقًا يُعد ضرورة لفهم متطلبات الجودة وتطويرها، ولا سيما من منظور إسلامي يعزز الأمانة والعدل والصدق.

أولا ـ مسؤوليات القيادة عن جودة المراجعة

يتعين على قيادات المكتب إيضاح أهمية الجودة وتعزيز ثقافة «القيام بالعمل الصحيح»، بما يشمل تخصيص الموارد والوقت الكافيين، وضمان توافر الخبرة والاستشارات اللازمة، وتعزيز الالتزام بالاستقلالية. وينص المعيار على ضرورة أن تتحمل قيادة المكتب المسؤولية الرئيسة عن نظام ضبط الجودة، وذلك من خلال وضع سياسات تدعم ثقافة داخلية تعترف بأن الجودة قيمة أساسية. كما يجب أن يكون الشركاء التنفيذيون قادرين على استدامة هذه الثقافة، بحيث يُقدَّم الأداء المهني على المصالح التجارية. ويؤكد المعيار وجوب تضمين الجودة في سياسة الشركة وقيمها وبرامجها التدريبية ونظام المكافآت.

ومن منظور إسلامي، يتوافق هذا التوجيه مع قيمة الإتقان التي أكدها النبي بقوله: «إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عَمِلَ أحدُكم عملا أن يتقنه» (رواه البيهقي). كما يرتبط بمفهوم «المسؤولية أمام الله والناس»، حيث يُعد القائد قدوة يقتدي بها العاملون، ويتعين عليه أن يخلق «نبرة عليا» تعكس الصدق والأمانة والعدل. وتظهر أهمية هذا الجانب في مواجهة التحديات الرقمية؛ إذ قد يغري التوسع التجاري بعض القيادات بالتركيز على الربح على حساب الجودة، ومن ثم فإن الالتزام بالقيم الدينية والمهنية يمثل حاجزًا أخلاقيًا أمام الانحرافات الرقمية.

ثانيا ـ متطلبات الأخلاقيات المهنية (خاصة الاستقلالية)

يجب التأكد من امتثال جميع العاملين للمتطلبات الأخلاقية، وفي مقدمتها الاستقلالية، والنزاهة، والموضوعية، والسرية، والسلوك المهني الملائم. ويقوم المكتب بمراجعة الالتزام بهذه المتطلبات بانتظام، ويضع سياسات للتعامل مع التهديدات. ويشدد المعيار على ضرورة إرساء سياسات تضمن الامتثال للمتطلبات الأخلاقية، وعلى رأسها الاستقلالية والنزاهة والموضوعية والسرية والكفاءة المهنية، وقد حدّد ميثاق الأخلاقيات الدولية للمحاسبين (IESBA Code) هذه المبادئ بوصفها قواعد أساسية للمهنة. كما ينص المعيار على ضرورة توثيق إجراءات الامتثال ومراقبة الالتزام بها بصورة منتظمة.

وشرعيًا، تتجذر هذه المبادئ في آيات وأحاديث كثيرة؛ فالقرآن يأمر بالأمانة والعدل، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} (النساء: 58). كما ورد في الحديث الشريف: «مَن غَشَّنا فليس منا» (رواه مسلم)، وهو ما يحرّم الغش والخداع. وبذلك تُعد الاستقلالية والأمانة والصدق ركائز أساسية في عمل المراجع، ويتعين عليه تنمية «مراقبة الذات» (التقوى) لضمان عدم التهاون في الالتزام الأخلاقي.

ثالثا ـ قبول واستمرار العلاقة مع العملاء

يتعين تقييم المخاطر المرتبطة بقبول عميل جديد أو الاستمرار مع عميل قائم، بما في ذلك النزاهة والسمعة والالتزام بالقوانين. ويحدد المعيار إجراءات موثقة لرفض أو قبول العملاء وإجراء المراجعات الملائمة عندما تتغير الظروف. ويُلزم ISQC 1 المكاتب بإرساء سياسات تضمن عدم قبول أو استمرار علاقة مع عميل إلا إذا كانت قادرة على أداء المهمة، ولديها الموارد والوقت الكافيان، ويمكنها الالتزام بمتطلبات الأخلاق، وبعد أن تكون قد تحققت من نزاهة العميل. وتشمل الخطوات العملية فحص الكفاءة والموارد، وتقييم مخاطر التضارب، والاطلاع على سمعة العميل وممارساته، كما يجب توافر نماذج تقييم قياسية وقوائم للتأكد من عدم وجود تضارب في المصالح، وخطة للموارد والمهلة الزمنية.

وبجانب ذلك، يحث المعيار على التحقق من نزاهة العميل من خلال جمع المعلومات من مصادر متنوعة، مثل الجهات السابقة التي تعاملت معه، والبحث في قواعد البيانات، والاستفسار من جهات ثالثة. وإذا ظهر للمدقق عجز عن الالتزام بمتطلبات الأخلاق أو وجود شبهات خطيرة، وجب اتخاذ قرار بالانسحاب مع توثيق الأسباب وإبلاغ الجهات المعنية.

ومن منظور إسلامي، يعكس هذا الجانب قيمة التحرّي والتثبت المستمدة من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6)، وقاعدة «اليقين لا يزول بالشك». كما أن الاعتبار الأساسي هو العدالة؛ فلا يجوز للمراجع الدخول في معاملات تشوبها شبهات أو معاملات ربوية، وينبغي عليه الاعتذار عن الارتباط بعميل يُعلم أنه يمارس نشاطًا محرمًا، كما تدعو إليه معايير AAOIFI في فقه المعاملات المالية.

رابعا ـ الموارد البشرية (الإدارة والتطوير)

يشدد المعيار على أهمية اختيار العاملين المؤهلين وتدريبهم وتطويرهم والحفاظ عليهم. ويجب أن تكون هناك سياسات لضمان توزيع المهام على أعضاء الفريق وفقًا لخبراتهم وقدراتهم، وتقديم التعليم المستمر والأدوات اللازمة لأداء أعمالهم بكفاءة. ويؤكد المعيار أن إدارة الموارد البشرية عامل محوري لنجاح نظام الجودة؛ إذ تتطلب توفير موظفين مؤهلين، وتحديد أدوار ومسؤوليات واضحة، وتقديم تدريب مستمر، وتقييم الأداء بانتظام. كما يوصي بتعزيز ثقافة السلوك الأخلاقي، وتحفيز التواصل والتعاون بين العاملين، ومعالجة تضارب المصالح لضمان استقلالية القرارات.

وفي عصر التحول الرقمي، لم تعد المهارات التقليدية كافية؛ بل يجب على المراجع إتقان التقنيات الرقمية مثل تحليل البيانات الضخمة، والتعلم الآلي، والبلوك تشين. كما توضح دراسات حديثة أن adequacy of digital audit talent يقلل بشكل كبير من مخاطر عدم اكتشاف الأخطاء ويعزز المراجعة الرقمية. ولذلك ينبغي تطوير منهجيات تدريب متخصصة تجمع بين المعارف المحاسبية ومهارات التقنية والقدرات التحليلية، مع مراعاة المبادئ الإسلامية التي تشجع على طلب العلم وتطوير الذات، كما في قول النبي : «طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» (رواه ابن ماجه).

خامسا ـ أداء الارتباط (Engagement Performance)

يشمل هذا العنصر وضع السياسات والإجراءات لضمان التخطيط الفعّال للمراجعة، وتطبيق المنهجيات المناسبة، والحصول على أدلة كافية وملائمة، وإجراء عمليات المراجعة الداخلية المستقلة عند الحاجة. ويتضمن أيضًا مراجعة العمل من قبل أفراد مستقلين قبل إصدار التقرير لضمان التزامه بالمعايير. كما يتضمن هذا العنصر وضع سياسات تضمن جودة التنفيذ في كل مهمة تدقيقية، بدءًا من التخطيط وحتى إصدار التقرير. وتشمل الإجراءات الموصى بها في المعيار:
تحديد أهداف العمل وتوقعاته، وتعيين الموظفين ذوي الخبرة المناسبة.
تنفيذ عملية تخطيط قوية لتحديد المخاطر ووضع استجابة مناسبة.
مراقبة تقدم العمل بانتظام، وتوثيق النتائج المهمة، وإجراء مراجعة شاملة للتأكد من الالتزام بإجراءات الجودة.
التواصل مع العميل لعرض النتائج ومعالجة الملاحظات.

سادسا ـ المراقبة (Monitoring)

يتطلب المعيار وجود نظام مستمر لمراقبة عمل المراجعين وجودة عملياتهم، بما في ذلك عمليات المراجعة الدورية، وتحليل الشكاوى والملاحظات، واتخاذ إجراءات تصحيحية عند اكتشاف قصور. ويُعد نظام المراقبة أداة للتطوير المستمر وضمان التحسين المستدام. وتُعد المراقبة المستمرة محورًا أساسًا للتحقق من فعالية نظام الجودة؛ إذ ينص المعيار على إنشاء عملية مراجعة وتقييم منتظمة لمدى الالتزام بالإجراءات، وتعيين مسؤولين عن عمليات المراقبة، وتطوير قوائم متابعة لتقييم فعالية إجراءات الجودة، وتوثيق النتائج واتخاذ إجراءات تصحيحية. كما يدعو إلى مراجعة ملفات الارتباط والوثائق للتأكد من مطابقتها للمعايير، واتخاذ إجراءات فورية لتحسين أية جوانب متعثرة.

ويعد هذا الأمر متسقًا مع الأطر الشرعية التي تحث على المحاسبة الذاتية؛ فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا»، في إشارة إلى أهمية الرقابة الذاتية واستباق التقصير. وعلى الرغم من وضوح عناصر ISQC 1، إلا أن هناك فجوات في التطبيق، خاصة بين المكاتب الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى الموارد الكافية. وتشير بعض التقارير إلى أن قصور القيادة في متابعة الجودة، وعدم توثيق السياسات، وعدم إجراء تقييمات نزاهة للعملاء، وغياب التدريب المستمر على الأدوات الرقمية، تُعد من أكثر أوجه الضعف شيوعًا. كما أن الابتكار الرقمي يضيف تحديات جديدة؛ إذ قد يزيد الاعتماد على التكنولوجيا من مخاطر الخوارزميات إذا لم تُراقب جيدًا، كما يستلزم مهارات جديدة. وتُعد الفجوة بين الممارسات الدولية والقيم الإسلامية مجالًا خصبًا للبحث؛ إذ تبرز الحاجة إلى مزيد من الأدلة العملية حول كيفية دمج القيم الإيمانية في سياسات الجودة، وكيف تؤثر التقوى والنية الصادقة على جودة المراجعة الرقمية. كما تبرز الحاجة إلى دراسات ميدانية في الدول الإسلامية لقياس أثر الالتزام بالمعايير الشرعية والمهنية على ثقة أصحاب المصلحة.

أمثلة مهنية

في أحد المكاتب المهنية الخليجية، تم إنشاء لجنة جودة مستقلة تقوم بمراجعة ملفات المراجعة وتقييم أداء الشركاء، مع تعزيز ثقافة الجودة وإتاحة التدريب الرقمي، وقد أدى ذلك إلى انخفاض نسبة الأخطاء بصورة ملموسة وارتفاع رضا العملاء. وفي تجربة عربية أخرى، أدى التركيز على تقييم نزاهة العملاء وعدم قبول الأعمال المحفوفة بالمخاطر إلى تحسين سمعة المكتب وتقليل تعرضه للمخالفات القانونية. أما في بيئة رقمية، فقد اعتمد أحد المكاتب على نظام تحليل بيانات آلي لاكتشاف الانحرافات في معاملات العملاء، غير أن نتائج النظام كانت تعاني من بعض الانحياز، ما دفعهم إلى إدخال مراجعة بشرية إضافية، وهو ما يؤكد أهمية توازن التكنولوجيا والعامل البشري.

خاتمة (خلاصة الرأي)

يُبرز التحليل المتعمق لعناصر ISQC 1 أن جودة المراجعة تعتمد على قيادة واعية تضع الجودة فوق الاعتبارات التجارية، ونظام أخلاقي صارم يضمن الاستقلال والموضوعية، وإجراءات صارمة لقبول العملاء تقوم على النزاهة والكفاءة، وإدارة موارد بشرية تتسم بالخبرة والتطوير المستمر، وأداء فعّال يقوم على التخطيط والمراقبة، ومراقبة مستمرة تضمن التحسين المستدام. وعند ربط هذه العناصر بالقيم الإسلامية، مثل الصدق والأمانة والعدل والإحسان والرقابة الذاتية، يتضح أن الدين الإسلامي يمنح بعدًا روحيًا وأخلاقيًا يعزّز هذه الأطر المهنية. فالقيم الشرعية ليست مجرد مبادئ أخلاقية، بل تمثل أدوات عملية لمنع التضليل والاحتيال وضمان الثقة في البيئة الرقمية. وبالتالي فإن دمج ISQC 1 مع قيمنا الإيمانية والاهتمام بالتحول الرقمي سيؤدي إلى نظام مراجعة أكثر قوة وشفافية، ويسهم في حماية حقوق أصحاب المصلحة وتعزيز الثقة في التقارير المالية.

 

 




أثر الرقمنة على استقلالية المراجع وجودة عملية المراجعة في البيئة المهنية المعاصرة

مقدمة

أفرز التحول الرقمي في مهنة المراجعة تحولات جوهرية في طبيعة الأدلة، وأساليب الفحص، وأدوار فرق العمل، بما أعاد تشكيل مفهوم جودة المراجعة واستقلالية المراجع. فلم تعد المراجعة عملية لاحقة تعتمد على الفحص الدوري التقليدي، بل أصبحت نشاطًا متزامنًا يعتمد على التحليل الآني للبيانات، والتكامل بين التخصصات، واستخدام أدوات رقمية متقدمة. ويهدف هذا المقال إلى تحليل أثر الرقمنة على استقلالية المراجع، وإدارة فرق العمل، والمراجعة المتزامنة، مع إبراز دور أدوات التدقيق بمساعدة الحاسوب في تعزيز جودة الفحص الرقابي، خاصة في المكاتب المتوسطة والصغيرة.

أولًا: أثر الرقمنة على استقلالية المراجع

يسهم الاعتماد المتزايد على الأدوات الرقمية في تعزيز استقلالية المراجع، من خلال تمكينه من الوصول المباشر إلى الأدلة المحاسبية من مصادر متعددة ولا مركزية، بما يقلل من اعتماده على المعلومات التي تقدمها الإدارة التنفيذية. وتتيح تقنيات تحليل البيانات والأنظمة المتكاملة فحص مجموعات بيانات كاملة بدلًا من الاعتماد على العينات التقليدية، وهو ما يعزز موضوعية النتائج ويحد من مخاطر التلاعب.

غير أن هذا التحول يفرز في المقابل نمطًا جديدًا من علاقات الاعتماد، يتمثل في الاعتماد على مصممي الأنظمة وموردي الحلول التقنية. وقد ينشأ عن ذلك تهديد غير مباشر لاستقلالية المراجع إذا لم تُدار هذه العلاقة وفق ضوابط مهنية صارمة. ومن ثم، يصبح من الضروري التأكيد على استقلال المراجع عن مقدمي الخدمات التقنية، والتحقق من عدم وجود مصالح مالية أو تشغيلية مشتركة قد تؤثر على حياده المهني.

ثانيًا: إدارة فرق العمل في البيئة التقليدية والرقمية

تتسم بيئة المراجعة المعاصرة بدرجة عالية من التعقيد والتنوع، نتيجة تشابك العمليات، وتعدد مواقع العمل، واعتماد فرق افتراضية عابرة للحدود الجغرافية. ويتطلب هذا الواقع إدارة فعّالة لفرق العمل، تقوم على وضوح الأدوار والمسؤوليات، والتواصل المؤسسي المنظم، والتدريب المستمر، وتعزيز ثقافة الجودة والالتزام المهني.

وتبرز أهمية القيادة المهنية القادرة على تحفيز الفرق، وإدارة الضغط الزمني، وضمان الامتثال لمتطلبات معايير الجودة، ولا سيما في ظل تسارع وتيرة إنجاز المهام وتزايد توقعات أصحاب المصلحة من مخرجات المراجعة.

ثالثًا: المراجعة المتزامنة (Simultaneous Review) كمدخل حديث للجودة

تُعد المراجعة المتزامنة أحد أبرز المداخل الحديثة في تطوير جودة المراجعة، إذ تقوم على فحص الأعمال في الوقت نفسه الذي تُنفذ فيه إجراءات المراجعة، بدلًا من الاعتماد على المراجعة اللاحقة التقليدية (Post-Review). ويتيح هذا الأسلوب اكتشاف الأخطاء والانحرافات فور حدوثها، وتقليل زمن الانتظار، وتحسين جودة التقارير النهائية.

وتعتمد المراجعة المتزامنة على عدة ركائز أساسية، من أبرزها:

·       العمل الجماعي المتكامل: حيث تُنفذ إجراءات الفحص والمراجعة بشكل متزامن، بما يحسن التنسيق ويحد من ازدواجية الجهود.

·       أدوات التعاون الرقمي: مثل منصات مشاركة الملفات وإدارة المشاريع، التي تتيح المتابعة اللحظية وتبادل الملاحظات بصورة فورية.

·       مشاركة الخبراء: إذ يمكن إشراك خبراء تكنولوجيا المعلومات أو الضرائب في الوقت المناسب أثناء تنفيذ المهام، بدلًا من انتظار المراحل النهائية.

·       الرقابة المتواصلة: من خلال دمج المراجعة المتزامنة مع نظم مراقبة الجودة، بما يسمح بتصحيح الانحرافات فورًا وضمان الالتزام بالمعايير المهنية.

رابعًا: التحديات المصاحبة لإدارة الفرق والمراجعة المتزامنة

رغم المزايا المتعددة، تواجه إدارة الفرق والمراجعة المتزامنة عددًا من التحديات، من أهمها:

·       تحديات التواصل: الناتجة عن اختلاف الثقافات أو المناطق الزمنية، ويمكن تجاوزها بتحديد أوقات عمل مشتركة واستخدام منصات تواصل فعّالة.

·       تنسيق البيانات والتحكم في الإصدارات: ما يستلزم نظمًا محكمة لإدارة الوصول ومنع تضارب التعديلات.

·       توزيع المسؤوليات واتخاذ القرار: وهو ما يتطلب تحديدًا دقيقًا للأدوار، وآليات واضحة للاعتماد والمراجعة والتصحيح.

خامسًا: دور أدوات التدقيق بمساعدة الحاسوب في تعزيز جودة الفحص

أصبحت أدوات التدقيق بمساعدة الحاسوب، مثل ACL Analytics وCaseWare IDEA، من الركائز الأساسية في الممارسة المهنية الحديثة. إذ تتيح هذه الأدوات:

·       استيراد ومعالجة كميات ضخمة من البيانات من أنظمة المحاسبة والمبيعات.

·       تنفيذ اختبارات تحليلية متقدمة، مثل تحليل التكرار، والربط البيني، واكتشاف المعاملات الشاذة.

·       تصميم إجراءات تدقيق مخصصة، وإجراء اختبارات تلقائية بصورة دورية.

·       توليد تقارير مرئية تسهم في دعم متخذي القرار وتعزيز الشفافية.

سادسًا: أثر التكنولوجيا على مكاتب المراجعة المتوسطة والصغيرة

تواجه مكاتب المراجعة المتوسطة والصغيرة تحديات في تبني التقنيات المتقدمة، أبرزها ارتفاع التكلفة ومتطلبات البنية التحتية. إلا أن الاعتماد على الحلول السحابية المرنة أتاح لهذه المكاتب فرصًا جديدة، مثل الوصول إلى بيانات العملاء في الوقت الحقيقي، وتحسين كفاءة العمليات، ورفع جودة التقارير. وتشير التجارب المهنية إلى أن الاستثمار في تدريب الكوادر على استخدام أدوات التدقيق الرقمي يسهم في خفض معدلات الأخطاء وتعزيز الكفاءة التشغيلية.

 خاتمة

يُبرز هذا المقال أن جودة المراجعة في العصر الرقمي ليست نتاجًا عرضيًا، بل ثمرة نظام متكامل من السياسات والإجراءات التي تشمل القيادة المهنية، والاستقلالية، والأخلاقيات، وإدارة الموارد البشرية، وأداء الارتباط، والمراقبة المستمرة. ومع أن التكنولوجيا توفر فرصًا غير مسبوقة لتعزيز الشفافية وفعالية الرقابة، فإنها في الوقت ذاته تفرض تحديات أخلاقية ومهنية تستلزم توازنًا دقيقًا بين الابتكار والالتزام بالمعايير.

وعليه، فإن الارتقاء بجودة المراجعة في البيئة الرقمية يظل هدفًا متحركًا، يتطلب وعيًا مهنيًا، وإشرافًا مستمرًا، واستثمارًا رشيدًا في الإنسان قبل التقنية.

الحمد لله رب العالمين.

الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

أثر المحاسبة الإدارية في الموازنة بين السيولة و الربحية

 رسالــة الكتاب

 الحمد الله الذي أنار قلوب عباده المتقین بنور كتابة المبین ،

والصلاة والسلام على خاتم الأنبیاء وأشرف خلق االله أجمعین ، سیدنا محمد

المبعوث رحمة للعالمین ، وعلى آله وصحبه الأبرار ومن تبعهم بإحسان إلي

یوم الدین .

تقوم فكرة هذا الكتاب إلي إلقاء الضوء على أسالیب المحاسبة الإداریة

الحدیثة في الموازنة وربطها بالسیولة والربحیة وآثار ذلك على تطویر الأداء

المحاسبي وإظهار التقاریر والقوائم المالیة المنشورة ذات جودة ومصداقیة

التي تفصح عن تنبؤات الإدارة بالأرباح المستقبلیة ومساهمة الإفصاح

یتخذها المستثمرین في السوق لذلك تعتبر مؤشرات السیولة والربحیة جانباًالمحاسبي عن هذه التنبؤات في تحقیق فاعلیة القرارات الإستثماریة التي

مهماً في الحفاظ على حالة مالیة صحیة لأي عمل تجاري ومعلوم أن العلوم

الإنسانیة شهدت تطوراً كبیراً من هنا كانت الحاجة الي وسائل و اتجاهات

حدیثة في إدارة العملیة المالیة من خلال أعمال الشركات والمؤسسات المالیة

العاملة في المجال المالي حتى تستطیع الإدارة تحقیق أهداف المنشأة لابد

من القیام بعملیات التخطیط المسبق والتنظیم والتوجیه والرقابة الإداریة ، كما

أن الموازنة أداة رقابیة فعالة للتأكد من حسن التخطیط والتنفیذ للخطط

الموضوعة من قبل الإدارة استخدم الإنسان الموازنة منذ زمن بعید في تنظیم

حیاته وترشیدها وتطویرها واستخدامها في المؤسسات لتحقیق الأهداف

الاقتصادیة والاجتماعیة كما إرتبطت بالمفهوم الحدیث للإدارة في

المشرو عات الاقتصادیة وبرغم من حداثة العهد بها في الفكر المحاسبي إلا

أنها ذات أصول فكریة وتطبیقیة في الفكر الإسلامي حیث تعتبر الموازنة

التي وضعها نبي االله یوسف علیه السلام في مصر الفرعونیة لموازنة إنتاج

واستهلاك القمح في سنوات القحط والرخاء من أقدم الموازنات. 

الأحد، 31 مارس 2024

 

ما المقصود بدوران المخزون وما هي أهميته؟ 

لكي نجيب على السؤال الرئيسي لمقالنا هذا وهو كيفية حساب معدل دوران المخزون، دعنا أولًا نعرف المقصود بالمخزون ذاته ونلقى الضوء على أهميته بالنسبة لعملية الصناعة والإنتاج. 

يٌعرف المخزون بكونه كافة السلع والمواد الخام والبضائع التي تمتلكها الشركة في مخزونها، سواء كانت هذه السلع في مرحلتها الأولية في الإنتاج أو جاري العمل عليها أو دخلت مرحلة التصنيع أو تم خروجها بصورتها النهائية في شكل بضائع جاهزة للتداول والبيع. 

أي بصورة أخرى المخزون هو انعكاس واقعي لكافة جهود المؤسسة أو الشركة في جميع مراحلها الإنتاجية والصناعية وكذلك جهودها في عمليات التعبئة والتخزين وكذلك التوصيل، بحيث يضم مواد خام أولية ومواد قيد الإنتاج وكذلك مواد أتمت مرحلة التصنيع ومواد جاهزة للشحن والتوزيع. 

تكمن أهمية المخزون في كونه مقياس لحجم إنتاج الشركة وكذلك مستوى مبيعاتها، فكلما زاد حجم المواد الأولية والسلع المخزنة فيه، كلما كان هذا مؤشرًا على كبر حجم الإنتاج الذي تغطيه الشركة وحجم المتطلبات التي تقوم باشباعها. والأمر ذاته بالنسبة للمبيعات لكن بطريقة عكسية، فكلما قل المخزون من المواد التي أتمت مرحلة التصنيع، كلما كان هذا مؤشر لزيادة الطلب على منتجات الشركة وارتفاع معدل البيع فيها. 

لكل مخزون فترة زمنية معينة، هذه الفترة يتم فيها احتساب دخول المواد الخام في صورتها الأولية وخروجها في هيئة مواد أتمت مرحلة التصنيع بحيث تكون لهذه الفترة نقطتي بداية ونهاية، وخلال هذه الفترة يتم احتساب ما يعرف بمعدل دوران المخزون وهو المعدل الذي يشير إليه نجاح الشركة في بيع واستبدال والتخلص من منتجاتها الراكدة خلال فترة زمنية قصيرة. 

يرتبط معدل الدوران بالسلع المخزنة بعلاقة عكسية، فكلما قلت السلع الموجودة في المخزن، كلما كان هذا مؤشرًا لنجاح عملية البيع والتوزيع، وكلما كثر المواد المخزنة وزاد معدل ركود المنتجات، كلما كان هذا مؤشرًا لحجم الخسائر التي تتكبدها المؤسسة وانخفاض معدل الطلب على منتجاتها. 

لكي يتم الإجابة على سؤال كيفية حساب معدل دوران المخزون بدقة، يجب أولًا أن نعرف أن الإجابة عليه يتطلب الإحاطة بمجموعة من المفاهيم الأخرى، والتي يأتي في مقدمتها كل من متوسط فترة التخزين، وأيام مبيعات المخزون وكذلك معدل الدوران اليومي للمخزون كالآتي:  

ما المقصود بمتوسط فترة التخزين وكيفية حسابه؟ 

يقصد بمتوسط فترة التخزين الفترة الزمنية التي تقضيها البضاعة من اللحظة الأولى لدخولها المخزون إلى اللحظة التي يتم فيها توصليها وشحنها إلى قسم المبيعات، ويتم احتسابها وفقًا لطريقتين، الأولى اعتمادًا على التكلفة والثانية بتحديد سعر البيع كالآتي: 

كيفية حساب متوسط فترة التخزين بالتكلفة؟ 

يتم احتساب متوسط فترة التخزين بالتكلفة عن طريق إتباع المعادلة الآتية: 

(رصيد مخزون أول الفترة الزمنية + رصيد مخزون أخر نفس الفترة الزمنية) / 2

قد تكون الفترة الزمنية المعتمد عليها في هذه المعادلة قصيرة نسبية كشهر أو 60 يوم، وقد تزيد ل 3 شهور أو 6 أو 9 أو حتى سنة، طبقًا لطريقة تقييم المخزون والجرد في الشركة نفسها، ويتم الحصول على المعلومات المستخدمة اعتمادا على قائمة المركز المالي التابع للمؤسسة.

كيفية حساب متوسط فترة التخزين بسعر البيع؟ 

أما بالنسبة لطريقة حساب متوسط فترة التخزين طبقًا لسعر البيع، فهنا يتم اللجوء إلى المعادلة الآتية: 

متوسط فترة التخزين بالتكلفة * مقلوب نسبة تكاليف المبيعات

الجزء الأول من المعادلة تم توضيحه في السطور السابقة، أما بالنسبة لكيفية تحديد نسبة تكاليف المبيعات، فيتم تحديدها طبقًا للمعادلة الآتية: 

(مخزون أول الفترة الزمنية + (المشتريات – مردودات المشتريات) + مصروفات الشراء + مصروفات البيع) – مخزون آخر الفترة الزمنية)

أو 

(رصيد أول فترة زمنية + صافي المشتريات) -رصيد مخزون آخر مدة زمنية للبضائع 

أو 

(رصيد أول فترة زمنية للبضائع تامة الصنع + تكلفة البضائع المصنعة) -رصيد مخزون أخر فترة زمنية للبضائع تامة الصنع. 

ويتم استخدام المعادلة الأخيرة في حالة الشركات الصناعية، أم المعادلات الأخرى فيتم استخدامها في الشركات التجارية بكثرة، ويرجع اختلاف المعادلات ظاهريًا إلى اختلاف الطرق التي يتم فيها جرد وتقييم المخزون، والذي تؤدى معطياته إلى اختلاف عملية حساب تكلفة المبيعات كذلك. 

يمكنك معرفة المزيد عن طرق الجرد وتقييم المخزون بزيارة المقال الآتي: دليلك لإدارة المخزون: 13 نوع للجرد و17 استراتيجية فعالة فيها

بالرجوع إلى النقطة الرئيسية وهي كيفية احتساب متوسط فترة التخزين بسعر البيع، سيتم تطبيق المعادلة الآتية كالآتي: 

متوسط فترة التخزين بالتكلفة * مقلوب نسبة تكاليف المبيعات

أي

(رصيد مخزون أول الفترة الزمنية + رصيد مخزون أخر نفس الفترة الزمنية) / 2

في

(رصيد أول فترة زمنية + صافي المشتريات) -رصيد مخزون آخر مدة زمنية للبضائع 

هناك مفاهيم أخرى مرتبطة بعملية حساب معدل دوران المخزون والتي تأتي في مقدمتها كل من حساب أيام مبيعات المخزون وكذلك معدل الدوران اليومي له، وكلا المفهومين يتم تطبيقهم اعتمادًا على المعادلات الآتية: 

كيفية حساب أيام مبيعات المخزون؟

بعدما تعرفنا سويًا على طريق تحديد تكلفة البضائع المباعة وكذلك تحديد متوسط فترة التخزين، سيسهل عليك تحديد أيام مبيعات 

يتم حساب أيام مبيعات المخزون طبقًا للمعادلة الآتية: 

(متوسط ​​المخزون ÷ تكلفة البضاعة المباعة) × 365

أي 

(رصيد مخزون أول الفترة الزمنية + رصيد مخزون أخر نفس الفترة الزمنية) / 2

على 

(مخزون أول الفترة الزمنية + (المشتريات – مردودات المشتريات) + مصروفات الشراء + مصروفات البيع) – مخزون آخر الفترة الزمنية)

في 

365

 

كيفية حساب معدل دوران المخزون اليومي؟ 

أما فيما يتعلق بكيفية حساب معدل دوران المخزون اليومي، فيتم تطبيق المعادلة التالية، وهي سهلة التطبيق أيضًا اعتمادًا على معرفتك بمعطياتها كالآتي: 

المخزون * 365 / تكلفة المبيعات

كيفية حساب معدل دوران المخزون؟ 

في السطور السابقة اطلعنا بالتفصيل على كل من المفاهيم المتعلقة بعملية حساب دوران المخزون بداية من متوسط المخزون-سواء بالتكلفة أو بالبيع-كيفية تحديد نسبة تكاليف المبيعات وكذلك تحديد أيام البيع وكذلك معدل الدوران اليومي للبضائع، تبقى الآن الإجابة على السؤال الرئيسي للمقال وهو كيفية حساب معدل دوران المخزون بشكل عام. 

بمعرفتك للمفاهيم السابقة سيبدو لك الآن القانون المستخدم في حساب معدل دوران المخزون سهلًا ولا يتطلب مشقة على الإطلاق، فالمعادلة عبارة عن طرفين فحسب هما: تكلفة البضاعة المباعة ومتوسط المخزون كالآتي:

معدل دوران المخزون = تكلفة البضاعة المباعة / متوسط المخزون.

 وبمعرفتك لطريقة حساب كل من الطرفين، كل ما عليك فعله هو استبدال المصطلح بالقيمة العددية الخاصة به، وستتمكن من احتساب معدل الدوران بكل سهولة. 

كلما كان معدل دوران المخزون مرتفعًا كلما كان هذا مؤشرًا لنجاح المؤسسة أو الشركة في تلبية احتياجات عملائها والتسويق الفعال لمنتجاتها، وعادة ما يكون الحد الأدنى له هو 4 مرات أو 3 على الأقل خلال السنة الواحدة، وإذا ارتفع عن 8 مرات كانت هذه دلالة على زيادة أرباح المؤسسة ونمو أنشطتها الإنتاجية والبيعية. 

يدخل في عملية احتساب معدل دوران المخزون العديد من المعطيات الأخرى والتي لا يمكن إهمالها والاكتفاء بتطبيق المعادلات السابقة بطريقة صماء فحسب، لذلك إذا كنت تبحث عن احترافية في آلية تقييم وإدارة المخزون فلا غنى عنك عن زيارة كورس محاسبة وتقييم المخزون لأكاديمية إعمل بيزنس والذي سيساعدك بدوره على معرفة كل ما يتعلق بهذا المجال، بداية من التعريف بدورة التشغيل وأهميتها وصولًا لطريقة تسجيل المخزون في النظم المحاسبية المختلفة. 

 

  الأبعاد الفنية لمعايير الجودة في بيئة المراجعة التقليدية والرقمية: قراءة في عناصر  ISQC 1  وربطها بالسياق المهني والقيمي مقدمة يقتضي الا...